محلي

إغلاق الثقب الأسود.. يحصّن جيب المواطن

‏بعدما هاج وماج الاجتماع بحثاً عن حلول لمعالجة اختلالات الموازنة، والتي دارت في مجملها حول فرض الضرائب، وزيادة الرسوم، وتقليص الدعوم، وإيقاف التوظيف بالحكومة، قال أحدهم ولماذا لا تغلقون الثقب الأسود بدلاً من المساس بجيب المواطنين؟ اتجهت الأنظار نحو الجالس بنهاية الطاولة، بعدما هدأت النفوس الحائرة، وتوقفت الآراء المتناثرة، وسكتت الشخصيات المتناحرة، التي نفدت شحنتها هجوماً أو دفاعاً عن الحكومة، وقذفاً وقدحاً لنواب الأمة.
بصوت شق سكون الاجتماع، تحدث صاحب نظرية الثقب الأسود لشرح مقصده، قائلاً: «لن أحدثكم عن الثقب الكوني الذي يمتص غبار النجوم المتفجرة، ويبتلع أجساماً أكبر من قطره بكثير، ولكن لأن الشيء بالشيء يذكر، فإن ما يخرج من أموال سنوياً من الكويت بشكل مشروع كاف لحل مشاكلنا من دون تحميل المواطن أي أعباء، أما الفساد وسراق المال العام، فهذا موضوع آخر يطول شرحه».
فمن المعلوم أن كل مليار دينار تنفقه الحكومة يذهب منها 700 مليون دينار للأجانب، وفقاً لتقديرات متواترة، فغالبية مشروعاتنا تنفذها شركات أجنبية، ومعظم العمالة فيها أجنبية، فضلاً عن إنفاق المواطنين على السياحة بالخارج بالمليارات، وهجرة المستثمرين والاستثمارات الكويتية المتواصلة، وكذلك تحويلات الوافدين المليارية، وفاتورة الاستيراد الباهظة.
ولهذا قد يكون الحل في تقليص الأموال التي يبتلعها الثقب الأسود سنوياً إلى خارج البلاد، ولكن الأمر يحتاج إلى قرارات مدروسة، وحكومة قادرة على التنفيذ، ومجلس قائم على التشريع، دون حسابات سياسية ضيقة.
لم يكتف المتحدث بالكلام المرسل وانتقل إلى خانة التوضيح بالإحصائيات والأرقام كما يلي:-
الإنفاق الاستثماري
رصدت الكويت 13.6 مليار دينار للإنفاق الاستثماري خلال السنوات الست الأخيرة، وبافتراض أنها أنفقت بالكامل، فإن نحو 9.5 مليارات منها تذهب للأجانب شركات وأفرادا، نتيجة ترسية المشروعات على شركات أجنبية بشكل مباشر أو من الباطن، ما يعني أن الاقتصاد الوطني أقل استفادة على مستوى معدل النمو الاقتصادي والإنفاق الاستهلاكي. وإن كان هذا لا ينفي بطبيعة الحال أن هناك تطوراً ملموساً على أرض الواقع في مشروعات البيئة التحتية، وقطاع النفط والغاز وغيرها.
الاستثمارات الأجنبية
في المقابل، استقطبت الكويت، خلال السنوات الماضية، استثمارات أجنبية مباشرة وغير مباشرة بعدة مليارات من الدولارات، ولكنها لم تنعكس إيجاباً على الاقتصاد الكويتي، لأن الثقب الأسود ببساطة يعمل في اتجاه واحد، فالعديد من الاستثمارات المباشرة للشركات العالمية لا تأتي من خلال مشروعات كبيرة كثيفة العمالة، ولكن عبر مكاتب تمثيل فيها عدد محدود من الموظفين للاستفادة من الاعفاءات الضريبية التي يوفرها قانون الاستثمار الأجنبي تستهدف تسهيل قدرتها على الفوز بالمشروعات الكبرى التي تطرحها الكويت وجني المليارات.
الإنفاق على السفر
على الرغم من أن الإنفاق على السفر انخفض بأكثر من %57.5 إلى ملياري دينار فقط في 2020، بسبب تداعيات أزمة كورونا، فإنه من المتوقع أن يعود إلى مستوياته السنوية في ما قبل الجائحة، والتي بلغت نحو 4.6 مليارات دينار، لا سيما في ظل غياب البديل المحلي.
يذكر أن الإنفاق على السفر وفقاً لإحصائيات «المركزي» لا يقتصر على رحلات السياحة والعمل الخاصة بالمواطنين وغيرهم، بل يشمل العلاج في الخارج والبعثات الدراسية وسفرات المهمات الرسمية وغيرها.
تحويلات الوافدين
وفي ما يتعلق بتحويلات الوافدين في الكويت، أظهرت بيانات بنك الكويت المركزي أن تحويلات العاملين خلال 2020 شهدت قفزة بنسبة %14.5 لتبلغ 5.3 مليارات دينار، مقارنة بتحويلات بلغت 4.62 مليارات دينار في العام السابق عليه، علماً بأن عدد الوافدين بلغ 3.2 ملايين وافد مقابل 1.45 مليون كويتي، وفقاً لإحصاءات الهيئة العامة للمعلومات المدنية.
الواردات بالمليارات
في الوقت الذي تعتمد فيه موازنة الكويت على النفط كمصدر وحيد للدخل، فإنها تستورد الأغلبية الساحقة من احتياجاتها، إذ بلغت وارداتها من السلع 7.5 مليارات دينار لكامل عام 2020، وفقاً لإحصائيات بنك الكويت المركزي.
هجرة الاستثمارات
قال تقرير الاستثمار العالمي 2021 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة من الكويت زاد بشكل كبير إلى 2.4 مليار دولار في 2020 رغم الجائحة، مقابل تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الكويت 319 مليون دولار.
تحولت دفة النقاش بعيداً عن المساس بجيب المواطن، حيث بدأ أحد المجتمعين في ضرب الأمثلة التي تدفع توجه صاحب نظرية الثقب الأسود، متسائلاً ما حجم ما ستجنيه الحكومة من الضرائب والرسوم مقارنة بالمليارات التي تخرج من الكويت سنوياً؟
وأشار إلى أن قرار رفع سعر البنزين منذ أعوام لم ينجح سوى في توفير 200 مليون دينار، وكذلك كل ما استطاعت الحكومة فعله عندما أعلنت التقشف لمواجهة نضوب السيولة هو تقليص مصروفاتها بقيمة 616 مليون دينار في ميزانية 2021 – 2022.
تساءل أحد الحضور: «كيف لصانع القرار إغلاق الثقب الأسود الذي يغرف المليارات سنوياً من الكويت منذ عقود، بطريقة تحفظ للمواطن مكتسباته ورفاهيته؟».
ليأتي الرد من صاحب نظرية الثقب الأسود: «الإجابة واضحة، لكنها تحتاج إلى تجنب محاولات التكسب السياسي، ففرض الضرائب على المواطن ليس حلاً، بل الحل في العمل على توطين الدينار بإنفاقه داخل الكويت، من خلال مشروعات سياحية جاذبة، ومستشفيات عالمية تقلص الإنفاق السياحي وتوقف العلاج بالخارج، ودعم المستثمر المحلي قبل البحث عن الاستثمارات الأجنبية».
توطين الدينار
الحل لا يأتي من فرض الضرائب على تحويلات الوافدين، لأنه سيفتح جحيم السوق السوداء، والتحويلات غير الشرعية، ولكن الأفضل هو تشجيعهم على الإنفاق والإيداع والاستثمار في الكويت، على غرار ما تفعله الدول المجاورة.
توطين الاستثمارات الكويتية ووقف هجرة المستثمرين كفيلان بخلق فرص عمل تستوعب الخريجين الجدد، وتشجيع القطاعين الصناعي والزراعي وغيرهما كفيل بتقليص فاتورة الواردات.
انتهى الاجتماع، وطويت الأوراق، من دون تدوين المناقشات في المحضر المعتاد، فعلى ما يبدو الثقب الأسود بات قادراً على شفط الأفكار قبل المليارات، ليبقى الحال على ما هو عليه.            

القبس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى